محمد بن إسماعيل الكحلاني الصنعاني ( الأمير )
51
سبل السلام
إلا عن قليل من التابعين . وقوله : إذا قلت لصاحبك أنصت فقد لغوت تأكيد في النهي عن الكلام لأنه إذا عد من اللغو وهو أمر بمعروف فأولى غيره ، فعلى هذا يجب عليه أن أيأمره بالإشارة إن أمكن ذلك . والمراد بالانصات قيل : من مكالمة الناس فيجوز على هذا الذكر وقراءة القرآن ، والأظهر أن النهي شامل للجميع ، ومن فرق فعليه الدليل ، فمثل جواب التحية والصلاة على النبي ( ص ) عند ذكره عند من يقول بوجوبها قد تعارض فيه عموم النهي هنا وعموم الوجوب فيهما ، وتخصيص أحدهما لعموم الآخر تحكم من دون مرجح . واختلفوا في معنى قوله لغوت والأقرب ما قاله ابن المنير : أن اللغو ما لا يحصل ، وقيل بطلت فضيلة جمعتك وصارت ظهرا . ( وعن جابر رضي الله عنه قال : دخل رجل يوم الجمعة والنبي ( ص ) يخطب فقال : صليت ؟ قال : لا ، قال : قم فصل ركعتين متفق عليه ) الرجل هو سليك الغطفاني سماه في رواية مسلم ، وقيل غيره وحذفت همزة الاستفهام من قوله صليت وأصله أصليت وفي مسلم قال له : أصليت وقد ثبت في بعض طرق البخاري . وسليك بضم السين المهملة بعد اللام مثناة تحتية مصغر . الغطفاني بفتح الغين المعجمة فطاء مهملة بعدها فاء . وقوله : صل ركعتين وعند البخاري وصفهما بخفيفتين ، وعند مسلم وتجوز فيهما وبوب البخاري لذلك بقوله باب من جاء والامام يخطب يصلي ركعتين خفيفتين . وفي الحديث دليل أن تحية المسجد تصلى حال الخطبة ، وقد ذهب إلى هذا طائفة من الآل والفقهاء والمحدثين ، ويخفف ليفرغ لسماع الخطبة . وذهب جماعة من السلف والخلف إلى عدم شرعيتهما حال الخطبة ، والحديث هذا حجة عليهم ، وقد تأولوه بأحد عشر تأويلا كلها مردودة سردها المصنف في فتح الباري بردودها ونقل ذلك الشارح رحمه الله في الشرح ، واستدلوا بقوله تعالى : * ( فاستمعوا له وأنصتوا ) * ولا دليل في ذلك ، لان هذا خاص وذلك عام ، ولان الخطبة ليست قرآنا وبأنه صلى الله عليه وسلم نهى الرجل أن يقول لصاحبه والخطيب يخطب أنصت وهو أمر بمعروف وجوابه : أن هذا أمر الشارع وهذا أمر الشارع ، فلا تعارض بين أمريه ، بل القاعد ينصت والداخل يركع التحية وباطباق أهل المدينة خلفا عن سلف ، على منع النافلة حال الخطبة . وهذا الدليل للمالكية وجوابه أنه ليس إجماعهم حجة ولو أجمعوا كما عرف في الأصول على أنه لا يتم دعوى إجماعهم ، فقد أخرج الترمذي وابن خزيمة وصححه أن أبا سعيد أتى ومروان يخطب فصلاهما فأراد حرس مروان أن يمنعوه فأبى حتى صلاهما ثم قال : ما كنت لادعهما بعد أن سمعت رسول الله ( ص ) يأمر بهما . وأما حديث ابن عمر عند الطبراني في الكبير مرفوعا بلفظ : إذا دخل أحدكم المسجد والامام يخطب فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الامام ففيه أيوب بن نهيك متروك وضعفه جماعة وذكره ابن حبان في الثقات وقال : يخطئ . وقد أخذ من الحديث أنه يجوز للخطيب أن يقطع الخطبة باليسير من الكلام ، وأجيب عنه بأنه هذا الذي صدر منه ( ص ) من جملة الأوامر التي شرعت لها الخطبة ، وأمره ( ص ) بها دليل على وجوبها . وإليه ذهب